سليمان الدخيل
90
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
ومن أبرز ندماء الرشيد الشاعر أبو العتاهية ، كان لا يفارق الرشيد في سفر ولا حضر ، إلا في طريق الحج ، وكان يجرى عليه في كل سنة خمسين ألف درهم سوى الجوائز والصلات ، وقد أعجب بشعره اللطيف المعاني السهل الألفاظ ، القليل التكلف ، وكثر شعره في الزهد والأمثال « 1 » . ولا أوافق الأستاذ أحمد أمين فيما ذهب إليه « 2 » من أن أزدياد ونفوذ الفرس في عهد الرشيد ، وما عرف عنهم من ميل إلى اللهو والسرور ، نشروا مع نفوذهم حياة الأكاسرة وما كان فيها من حضارة ولهو وعبث ، لأن الغناء كان منتشرا قبل عهد الرشيد في بغداد ، وفي دمشق إبان الحكم الأموي « 3 » ، حقيقة بلغ الترف والنعيم في بغداد في عهد الرشيد أقصاه ، إلا أن الفضل في ذلك يرجع إلى ما بلغته الدولة العباسية من سعة وغنى واستقرار ، ومساهمة عناصر السكان على اختلاف أجناسهم في ازدهار الحياة العامة « 4 » . وكان الأمين لا يحتجب عن الندماء ، ويجزل عليهم العطايا ، ويقضى أجل أوقاته في الاستمتاع بضروب اللهو ، وعلى الرغم من أن أخباره وضع أكثرها في عهد المأمون للإساءة إليه ، والحط من قدره ، فإننا لا نستطيع أن ننكر ميله إلى اللهو ، يؤيد ذلك ما ذكره الطبري « 5 » من أن الأمين لما ولى الخلافة وجه إلى جميع البلدان في طلب الملهين ، وضمهم إليه ، وأجرى لهم الأرزاق ، كما أمر ببناء مجالس لمنتزهاته ، ومواضع لهوه وخلوته بقصر الخلد وقصور اللهو ، واقتنى الوحوش والسباع والطيور وأنفق أموالا طائلة في بناء سفن على شكل بعض الحيوانات ، كالأسد والفيل والعقاب وغير ذلك ، وقسم ما في بيوت الأموال من الجوهر على جلسائه ومحدثيه « 6 » .
--> ( 1 ) الأصفهاني : الأغانى ج 10 ص 63 . ( 2 ) ضحى الإسلام ج 1 ص 111 . ( 3 ) انظر : الإدارة المركزية للدولة الأموية 125 . ( 4 ) Gohn Glubb : The Empire of the Arabs p . 279 . ( 5 ) تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 198 ه . ( 6 ) ابن طباطبا : الفخري في الآداب السلطانية ص 8 .